ابن ميثم البحراني
271
شرح نهج البلاغة
لأنّ الظعن هنا هو قطع درجات المعارف والأعمال في سبيل اللَّه وصراطه المستقيم والمسير فيها ، ويحتمل أن يريد بالحثّ على المسير حثّ الليل والنهار بتعاقبهما على الأعمار فهما سابقان حثيثان عنيفان فيجب التنبيه لسوقهما على اتّخاذ الزاد لما يسوقان إليه . وقوله : وإنّما أنتم كركب . إلى آخره . فوجه التشبيه ظاهر فالإنسان هو النفس ، والمطايا هي الأبدان والقوى النفسانيّة ، والطريق هي العالم الحسّيّ والعقليّ ، والسير الذي ذكره قبل الموت هو تصرّف النفس في العالمين لتحصيل الكمالات المسعدة وهي الزاد لغاية السعادة الباقية ، وأمّا السير الثاني الَّذي هو وقوف ينتظرون ولا يدرون متى يؤمرون به فهو الرحيل إلى الآخرة من دار الدنيا وطرح البدن وقطع عقبات الموت والقبر إذ الإنسان لا يعرف وقت ذلك . وحينئذ يتبيّن لك من سرّ هذا الكلام أنّ قوله : وأمرتم بالظعن مع قوله : لا تدرون متى تؤمرون بالسير . غير متنافيين كما ظنّه بعضهم . ثمّ أخذ في تزهيد الدنيا والتنفير عنها بذكر أنّ الإنسان غير مخلوق لها بل لغيرها ومقتضى العقل أن يعمل الإنسان لما خلق له ، وفي تزهيد المال بتذكير سلبه عن قليل بالموت وبقاء الحساب عليه وتبعاته من عقارب الهيئات الحاصلة بسبب محبّته وجمعه والتصرّف الخارج عن العدل فيه لاسعة لمقتنيه . ثمّ عقّب بالترغيب في وعد اللَّه بأنّه ليس منه مترك : أي ليس منه عوض وبدل في النفاسة بالتنفير عمّا نهى اللَّه عنه بكونه لا مرغب فيه : أي ليس فيه مصلحة ينبغي أن يجعلها العاقل غاية مقصوده له . إذ هو تعالى أعلم بالمصالح فلا يليق بجوده أن ينهى العبد عمّا فيه مصلحة راجحة . ثمّ عقّب بالتحذير من يوم الوعيد ووصفه بالصفات الَّتي باعتبارها يجب الخوف منه والعمل له وهي فحص الأعمال فيه ونقاش الحساب عليه كقوله تعالى « ولَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » ( 1 ) وظهور الزلزال كقوله تعالى « إِذا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزالَها » وشيب الأطفال كقوله تعالى « يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً » ( 2 ) . وأعلم أنّ هذه الصفات في يوم القيامة ظاهرة
--> ( 1 ) 16 - 95 ( 2 ) 73 - 17 .